أحمد بن علي الرازي

194

شرح بدء الأمالي

--> - كلاما ، وعلى أن الله تعالى كلم موسى عليه السلام ، وكذلك سائر الكتب المنزلة كالتوراة والإنجيل والزبور والصحف ، فكل هذا لا اختلاف فيه بين أحد من أهل الإسلام . ثم قالت المعتزلة : إن كلام الله تعالى صفة فعل مخلوق ، وقالوا : إن الله عز وجل كلم موسى بكلام أحدثه في الشجرة . وقال أهل السنة : إن كلام الله عز وجل هو علمه لم يزل وأنه غير مخلوق ، وهو قول الإمام أحمد ابن حنبل وغيره ، رحمهم الله . وقالت الأشعرية : كلام الله تعالى صفة ذات لم تزل غير مخلوقة ، وهو غير الله تعالى وخلاف الله تعالى ، وهو غير علم الله تعالى ، وأنه ليس لله إلا كلام واحد . قال أبو محمد : واحتج أهل السنة بحجج ، منها أن قالوا : إن كلام الله تعالى لو كان غير الله ، لكان لا يخلو من أن يكون جسما أو عرضا ، فلو كان جسما لكان في مكان واحد ، ولو كان ذلك لكنا لم يبلغ إلينا كلام الله عز وجل ، ولا كان يكون مجموعا عندنا في كل بلد كذلك ، وهذا كفر ، ولو كان عرضا لاقتضى حاملا ، ولكان كلام الله تعالى الّذي هو عندنا هو غير كلامه الّذي عند غيرنا ، وهذا محال ، ولكان أيضا يغنى بغناء حامله ، وهذا لا يقولونه ، وبالله التوفيق . قالوا : ولو سمع موسى عليه السلام كلام الله تعالى من غير الله تعالى لما كان له عليه السلام في ذلك فضل علينا ؛ لأننا نسمع كلام الله عز وجل من غيره ، فصح أن لموسى عليه السلام مزية على من سواه ، وهو أنه عليه السلام سمع كلام الله بخلاف من سواه ، وأيضا فقد قامت الدلائل على أن الله تعالى لا يشبهه شيء من خلقه بوجه من الوجوه ، ولا بمعنى من المعاني ، فلما كان كلامنا غيرنا وكان مخلوقا ، وجب ضرورة أن يكون كلام الله تعالى ليس مخلوقا وليس غير الله تعالى كما قلنا في العلم سواء بسواء . قلت : ثم ساق ابن حزم حججا أخرى لغير أهل السنة كالأشعرية ، وأبطل مقالتهم ، ثم قال بعد ذلك : والّذي نقول به ، وبالله تعالى التوفيق ، هو ما قاله الله عز وجل ونبينا محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، لا نزيد على ذلك شيئا ، وهو أن قول القائل : القرآن وقوله كلام الله كلاهما معنى واحد ، واللفظان مختلفان ، والقرآن هو كلام الله عز وجل على الحقيقة بلا مجاز ، ونكفر من لم يقل ذلك ، ونقول : إن جبريل عليه السلام نزل بالقرآن الّذي هو كلام الله تعالى على الحقيقة على قلب محمد صلّى اللّه عليه وسلم ، كما قال تعالى : نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ . ثم نقول : إن قولنا : القرآن ، وقولنا : كلام الله ، لفظ مشترك يعبر به عن خمسة أشياء ، فتسمى الصوت المسموع الملفوظ به قرآنا ، ونقول إنه كلام الله تعالى على الحقيقة ، وبرهان ذلك هو قول الله عز وجل : وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ ، وقوله تعالى : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ ، وأنكر على الكفار وصدق مؤمني الجن في قولهم : إِنَّا سَمِعْنا -